إذاعة Facebook Twitter تلفزيون




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   تاريخ النشر 11/05/2010

خفافيش الليل تظهر في النهار

صورةقصة الشهيد محمد شيال العمشاني
كان محمد شيال العمشاني في عام 1981لم يتجاوز التاسعة عشر من عمره وقبل أيام أكمل دراسته الإعدادية وكعادته كان متفوقاً ويتطلع لإكمال دراسته الجامعية، وهو الذي نشأ متديناً ولا يأنس إلا بإقرانه من المؤمنين،وحيث كان الوشاة البعثيون ينشطون في تلك الأيام بإعداد التقارير عمن يشكون في ولائهم للسلطة وينقلون إلى منظماتهم الحزبية(التي أضحت بيئة للاثم والخطيئة)كل ما يتفوه به المواطنون ويشمون منه رائحة النقد لسياسات السلطة القمعية،على خلفية ذلك فان حملات الاعتقال المسعورة مستمرة ولم تتوقف رحاها بواسطة أجهزة النظام التي تقبل على فعل ذلك بشغف منقطع النظير،فأخذت الأيام تصوغ القدر الغاشم لتلك الاغراس اليافعة والأرواح البريئة،في فتره قصيرة اختفى معظم اصدقائة فأراد ان يتوارى عن الأنظار ولكن والده منعه اعتقادا ًمنه بأن المرء لايؤاخذ إلا على فعله لامجرد ما يضمره قلبه ويكنه ضميره هذا يحدث في بلد يسوده القانون ويتمتع فيه الحاكم بقيم إنسانية وأخلاقية وليس في بلد يحكمه (صدام)،كان والده ينظر الى صغر سنه ونحافة بدنه فيبدو له ان السلطة لاتخافه ولا تخشاه فحتى لو تعرض للاعتقال فبالنتيجة سوف يطلق سراحه ولم يخطر بباله قط ان المقابر الجماعية المجهولة تنتظر فلذة كبده ليرقد فيها رقدته الأخيرة و يصبح من جملة سكانها ويترك في قلب والده جرحاً عميقاً
لا سبيل لشفائه ،فكانت الأغلبية الساحقة ممن أعدموا أو اعتقلوا لم يثبت بأنهم قاموا بإعمال مسلحة مثلاً أو أنهم ينتمون الى أحزاب الإسلامية وإنما لمجرد أنهم يلتقون معها في دائرة الفكر الواحد، والمفارقة المؤلمة ان هذه العصابة التي جاءت الى السلطة بقوة السلاح تحاسب المواطنين لكونهم ينتمون الى أحزاب او ان لهم رؤى لا يرتضيها الصنم الأكبر في حين ان العدالة تقضي ان يحاسب هؤلاء حساباً عسيراً لان حزبهم الفاشي هو الذي جلب الموت والخراب والحروب العبثية للعراق وقد اصطبغ تأريخه باللون الأحمر فلا يرون حقاً ان تمارس الأحزاب نشاطها وكأن حزبهم حصل على ترخيص من السماء، في ذلك اليوم من صيف عام 1981وتحديداً في شهر تموز توقفت سيارة بيضاء اللون نوع(لاندكروز)بالقرب من الشارع العام كانت تقل مجموعة من إفراد الجيش الشعبي – كما يروي شاهد عيان- ترجل احدهم ليستعين بأحد الصبية للسؤال فيما اذا كان (محمد) متواجدا ًفي الدار او لا. دخل الصبي الدار وسأل (أم محمد) أين أجد (محمد) فقالت انه ذهب الى الحسينية الدار الثانية (وتعني دار زوجة أبيه الثانية والتي اتخذت كحسينية)ولم تتبين هوية السائل لأنها لم تتوقع ان زوار الفجر يأتون في وضح النهار فقد أعتاد الناس ان يقتحم هؤلاء البيوت ليلاً دون أذن من ساكنيها ليلقوا القبض على من شاءوا فقد غلب على ظنها انه احد أصدقائه فعاده ما يستعين هؤلاء بالصبية الذين لا يبارحون اللهو واللعب تحت ظل النخلة القائمة إمام الدار،ولما كانت الحسينية نقطة دالة كان من الممكن العثور عليها والوصول إليها بسهولة وقد ظهر فيما بعد ان احد إفراد تلك المجموعة كان من سكنة المنطقة فأرشدهم إليها ، بينما كانت العائلة جالسه في فناء الدار فإذا بطارق فنهض (كريم) شقيق (محمد)الأكبر ففتح الباب ،وإذا بثلاثة من الجيش الشعبي مسلحين فبادره أحدهم بالقول:كنا نطارد احد الهاربين من الخدمة العسكرية نظن أنه دخل داركم ،قال كريم:لم يدخل احد ،وفي هذه الأثناء وقف شقيقه (محمد) الى جانبه ثم تبعة والده ويظهر ان هذه هي أساليبهم للدخول الى البيوت الامنه وحين شاهدوا(محمد)طلبوا هوية (كريم) الذي لم يكن يحملها ثم طلب هوية(محمد) وما أن نظر فيها قال: تفضل معنا! قال(كريم) : إلى أين؟ فرد: إلى المنظمة الحزبية لبعض الاستفسارات ثم يعود.فصار معلوم نوع الاستفسارات وأكذوبة العودة التي طالما رددوها على مسامع ذوي المعتقلين وفي تلك اللحظات المؤلمة كانت بداية الفراق الأبدي.ومنذ ذلك الحين لم يسمع( لمحمد) اي خبر والى الآن لا يزال قبره مجهولاً ولا تزال نار الحزن مستعرة في القلوب. ومرت الأيام والشهور على اعتقال (محمد)وثقل الهم على والده وراح يشعر بألم ومرارة تحز في نفسه حزاً كونه فرط وتهاون في أمره ولم يندم قط كندامته تلك ولكن فات الأوان، أما بالنسبة لام (محمد) فليس من أحد يزايد على حنانها ورقة قلبها فقد افترشت الأرض حزناً وشفقة لمواساة وليدها فكانت تغرق في بكاء طويل وحزنٌ عميق ،ولم تمر الأ أيام قلائل حتى راحت تتعلق بخيوط من الآمال الواهية ، وراحت هي ومجموعه من المفجوعات يتنقلن بين دوائر مديريات الأمن لعلها تجد له أثراً ولكنها تعود واليأس يعتصر قلبها وكم شكوى أطلقتها يسبب المعاملة القاسية من أولئك القساة الذين تجردوا من إنسانيتهم الذين يقابلونهن بكل قسوة وبالألفاظ النابية والشتائم وفي كل مره تعود كانت تبكي وتنوح على الطريقة المعروفة عند نساء أهل العمارة (النعي)تستهله بالعبارة التالية(يمه الولد ياعتبة الباب) فلا تدع السامع يمتلك زمام عواطفه أنها لآهات وزفرات تمزق الأفئدة وتذيب النفوس،أن ما حل بتلك العوائل المنكوبة يؤرق الضمير ويهز الوجدان غير أن كل الممارسات لم تكن تثني طلاب الحق عن الوقوف بوجه نظام الجهل والغرائز وهل الحياة إلا مواقف وعبر فبعضهم يثور لدينه والأخر لحريته.
كفاح حيدر
كتاب الحقبة الدامية
بتصرف