Facebook Twitter تلفزيون المراسلة




رجوع   إرسال  print نسخة للطباعة   مشاركة itwitter تويتر   تاريخ النشر 01/08/2012

في سيكولوجيا الثقافة والمثقف

تحليل سايكلوجي للمثقف العراقي
أ.د/ احمد جابر الصعب
نحاول في هذا الموضوع تقديم تحليل سايكولجي لعلاقة (الثقافة) بـ(سلوك) الإنسان، والإشكالية السلوكية التي يعيشها المثقف بوصفه حاملا لثقافتين هما: (ثقافة الأنا) و(ثقافة الدور) الذي يؤديه. وتساؤلات عن واقع المثقف العراقي في ومن الهوس البارانوي وشيوع سيكولوجية (الانتقام).
فلنبدأ أولا بتحديد مفهوم (الدور role).
ربما كان شكسبير هو أول من أضفى معنىً جديداً على مفردة (الدور) حين قال: (العالم كله مسرح والرجال والنساء فيه مجرد ممثلين في دراما الحياة، ينطقون ما حفظوه من أقوال، ويؤدون ما وزع عليهم من أدوار).
وفي هذه المقولة إشارة إلى ان الدور مفردة استعيرت من الدراما المسرحية لتعني المهمة الموكولة للفرد لأدائها في الموقع الذي يشغله في العالم الذي يعيش فيه. وهذا يتضمن مسألة تطبيقية غاية في الأهمية هي: ان (الدور) مستقل عن (الفرد) الذي يؤديه. وهذا يعني ان في الإنسان الواحد مكونين هما: الفرد بأبعاده العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسية وما ينجم عنها من سلوك، والدور الذي يحتم عليه ان يؤدي متطلباته وما يترتب أو يتوجب عليه من سلوك.
والإقرار بذلك يفضي الى مقدمتين منطقيتين:
الأولى: وجود ثقافتين في الفرد الواحد هما الثقافة الخاصة به والثقافة الخاصة بالدور الذي يؤديه.
والثانية: أن ازدواج الثقافتان في الفرد الواحد (المثقف تحديدا) يفضي إلى إشكالية سلوكية.
وعلى قدر علمي، فان المثقفين العراقيين والعرب لم ينتبهوا إلى هذه الإشكالية، أعني تفحصها بجهد علمي ومنهجية موضوعية تحدد أبعادها بصيغة تشخيصية ونقترح طرائق علمية (لعلاجها). ونتمنى على الكتاب فتح حوار بشأنها يجيب عن أسئلة مستحقة من هذا القبيل:
* ما شكل العلاقة بين المثقف والدور الذي يؤديه؟
* هل العلاقة بينهما مثل العربة والحصان، بمعنى ان كليهما يمضي الى غاية واحدة من غير حوار بينهما؟
* أم ان العلاقة بينهما مثل زوجين جمعتهما الضرورة او المصلحة لان يعيشا تحت سقف واحد، وان يستمرا كذلك حتى لو كان الخصام بينهما علة مزمنة؟
* واذا كان الخصام او الصراع بينهما افتتاحية الصباح وختام المساء -وهو المرجح عند المثقف الأصيل- فكيف يحل: بالتمويه على الذات؟ بالتراضي الاضطهادي؟.. أم بتهور عقلي؟
* وهل يمكن ان تكون العلاقة بينهما أي (الفرد المثقف ودوره) مثل حبيبين او عاشقين يتم أحدهما الآخر في سمفونية ممتعة؟
* وفي حالة العراق، كيف تكون العلاقة بين المثقف ودوره في زمن الحرب وفوضى الثقافة؟
لنبدأ بـ(الثقافة) وماذا تعني.. وما علاقتها بالسلوك؟
تعني الثقافة، ذلك الكل المعقد الذي يحتوي: المعرفة والمعتقدات والفنون واللغة والأخلاق والقانون والعادات والطقوس.. التي يكتسبها الفرد بوصفه عضوا في المجتمع.
هذا يعني ان الثقافة نكتسبها بـ(التعلم) لا نرثها عبر (الجينات). صحيح ان الحيوانات تتعلم (اجتماعيا أيضا عن طريق فصيلتها الحيوانية، كالذئب الذي يتعلم استراتيجية الصيد من أسلافه لكن (تعلمنا الثقافي) يعتمد على القدرة المتفردة للإنسان في استعماله (الرموز).. أي الاشارات التي يضفيها على الاشياء، وقد لا يكون لها بالضرورة ارتباطاً طبيعياً أو منطقياً).
والثقافة، بمعنى آخر: نظام محدد من المعاني الرمزية وأفكار قائمة على التعلم الثقافي للرموز، نرتبها من خلال (التثاقف) -أي الاحتكاك بثقافات أخرى- لتشكل في داخلنا (نظاما ثقافيا) نستعمله في التعرف على العالم الذي نعيش فيه، وفي التعبير عن مشاعرنا وصنع قراراتنا والتأثير في سلوكنا. ففي الدراسة الكلاسيكية التي أجرتها عالمة الاجتماع ماغريت ميد عام 1935 والتي حملت عنوان (الجنس والمزاج في ثلاثة مجتمعات بدائية) توصلت الى ان الثقافة تؤثر في السلوك، إذا وجدت فإن الثقافة القائمة على التنافس تشجع السلوك على العدوان، فيما الثقافة القائمة على التسامح تشجّع السلوك على التعاون والايثار.
ونصل الى مبتغانا في ان الثقافة تمتلك مجموعة آليات (ميكانزمات) السيطرة، تشبه تلك التي يضعها او يصممها مبرمجو الحاسوب. فكما ان البرنامج الرقمي او المعلوماتي هو الذي يتحكم بعمل الحاسوب، فانه يمكن وصف الثقافة بانها البرنامج الذي يتحكم بالسلوك. اذ يوجد في داخل كل واحد منا (مركز سيطرة ثقافي) هو الذي يوجه سلوكنا ويحدد أهدافنا. وهذا فرض نظري من قبلنا، والفرض تفسير مبدأي قد لا يكون بالضرورة صحيحا.
وفي سياق هذا التشبيه، فان شيئا واحدا يربك عمل البرنامج في الحاسوب هو اذا تلوث بـ(فيروس) فتحصل عندها فوضى معلوماتية. ومثل هذا يمكن ان يحدث للمثقف أيضا اذا تلوث برنامجه الخاص بـ(ثقافة الأنا)، أو تلوث برنامجه الخاص بـ(ثقافة الدور) الذي يؤديه، أو كلاهما بـ(فيروس) غالبا ما يكون مصدره نظام اجتماعي –سياسي وواقع خشن محملان بضغوط اقتصادية ونفسية.. اكبر من طاقة تحمله لها، أو انها تربكه او تشوش رؤيته لما يجري.
ولقد التقى هذا الفيروس الجديد (الانتقام) بفيروس قديم كامن في مخزن قهرنا. ذلك اننا ورثنا من يوم امتلك معاوية السلطة الى يوم انتهاء آخر طغاتها (بارانويا) مستقرة في لا شعورنا الجمعي، من ألف وأربعمائة سنة! هي ان (ثقافة الآخر خطر علينا)، بوصفها هدامة أو ملحدة أو رجوعية.. وهي أوصاف تحمل فيروس الانتقام. غير ان هذا الفيروس كان في زمن الانظمة الأربعة (الأموي والعباسي والعثماني والبعثي) موجها ضد من يعادي السلطة والمصيبة ان ما لدينا من (لقاحات) لقتل ما بنا من فيروسات، صارت فاسدة! وان دفاعاتنا ضد فيروسات الثقافة الوافدة، قد انهارت.. الا من ربايا يتخندق فيها مثقفون محصنون مؤمنون عن يقين بان صباح الثقافة البهي آن حتما.
ونعود لنوضح ماذا يعني (الدور) في مضامينه الاجتماعية والنفسية والسلوكية للانسان، والمثقف بشكل خاص.
للدور مفهوم يتحدد بالفكرة التي يكونها الفرد عن العمل او النشاط الذي يقوم به، تكون اما ايجابية، أي حب الدور، أو سلبية، أي كره الدور. فيما يعني الدور في مضمونه الاجتماعي: الموجه أو الدليل المحدد ثقافيا الذي يوضح للناس نوع السلوك المتوقع منه. وهذا يعني ان للدور (توقعات). وان توقعات الدور تتحدد في ضوء العوامل الثقافية التي يعيش الفرد في محيطها. وتعرف توقعات الدور بوصفها مجموعة من الحقوق والواجبات والالتزامات والمتطلبات المختلطة بالشخص المؤدي لدور معين.
والمشكلة في مجتمعاتنا العربية، ان هنالك أدوار مفروضة على الفرد، بمعنى انه ليس للفرد علاقة في شغلها. وقد لا تشكل هذه الحالة مشكلة لدى الموظف أو الانسان العادي. فالكثير من الناس لا يشغلون انفسهم كثيرا بالادوار التي يقومون بها، الا انها تشكل أزمة نفسية ومأزقا ذاتيا لدى المثقف الذي الزم نفسه أو ألزم بالقيام بدور يؤديه: مفكر، أكاديمي، روائي، شاعر، فنان.. فالتاريخ الثقافي يكشف ان (للدور) الحصة الأكبر في الاصابة بعدد من الاضطرابات النفسية والعقلية. وأحيانا يكون الدور هو الفيروس الذي يقتل صاحبه، كما حصل لمثقفين عرب وعراقيين معروفين سنفرد لهم مقالة خاصة. واكثر من نبه الى ذلك هم علماء النفس، اذ عدوا الدور بانه نوع من الكذب والرياء الاجتماعي الذي يمارسه الفرد في علاقاته الشخصية بالآخرين. ووصف سارتر الدور بانه القدر السيء (Bad Faith) الذي يتظاهر فيه الشخص بانه وجود لا يعني شيئا إلا بقدر ما يريده الآخرون ان يكون عليه. بمعنى انه لا يستطيع ان يعمل خارج حدود الدور الذي حدده الآخرون له.
واذا تعمقنا بعض الشيء في التمييز بين الدور (المملي) أو الموجه للفرد في مقابل سلوك الدور، فان الدور الموجه للفرد مفهوم اجتماعي يشير الى العوامل المشتركة في انواع السلوك المطلوبة، في حين ان سلوك الدور مفهوم نفسي يشير الى فاعلية فرد بعينه دون غيره من الافراد. وهذا يقود الى ضرورة التمييز بين الوظائف التي يؤديها الدور وبين الدوافع المنظمة وراء نمط الدور في شخصية المثقف. فالدافع يرتبط بشخصية المثقف، فيما يرتبط الدور بالتنظيم الاجتماعي. وهذا يمثل جانبا من الاشكالية. فعندما تجمع هذه الاشياء في قدر النفس و(تطبخ) على أكثر من نار، فكيف سيكون التعامل مع الكم الهائل من (الوحشة) و(الغربة) و(الزيف العام) و(تدليس الذات على الذات)؟!
وهنالك حكمة شائعة أضنها مغلوطة اذا حسبناها على المثقف، تقول بان اداء الفرد (السوي.. العاقل) يتقيد بالأعراف وبالمعايير الاجتماعية وبالقيم السائدة في المجتمع. وبما ان المعايير الاجتماعية تعد محددا قويا للسلوك، وان الإنسان السوي.. العاقل -على وفق الحكمة الشائعة- هو الذي يلتزم بها، فان المثقف لكي يكون سويا وعاقلا عليه ان يسايرها، وهو ما يتنافى وطبيعة الشخص المثقف ونوع مزاجه. فمن أولى أبجدياته انه يعد الالتزام بالمعايير الاجتماعية قاتلا لابداعه أو معوقاً في أخف حالاتها، وهي حالة أصبحت خطرة جداً في العراق بالرغم من ان الثقافة فيه تتمتع بحرية مطلقة!
والمأزق الذي يعيشه المثقف هو: إما ان يشغل برنامج (ثقافة الدور) ويبرمج عقله عليه ويعيش كالآخرين، وإما ان يوازن بين برنامج ثقافة الدور وبرنامج (ثقافة الأنا)... وهي معادلة صعبة، وإما ان يبرمج عقله في برنامج (ثقافة الأنا -ثقافته الخاصة الصادقة)... التي تفضي به: إما إلى الإبداع وتحقيق الذات، وإما إلى الاغتراب أو الإدمان، أو الاحتراق النفسي، أو الفصام، أو... الانتحار! وهذا بعد واحد لإشكالية سلوك المثقف الناجمة عن ازدواجية ثقافة (أناه) الخاصة وثقافة (الدور) الذي يؤديه، نأمل من مثقفينا الكشف عنها في زمن فوضى الثقافة وتقاطع الأدوار في واقع يبدو كما لو كان مشفى للأمراض العقلية!
 

1 | خطري

الجمعة 14 كانون الأول 2012 04:40 م
شكرا
 



ادخل الحروف والأرقام الموجودة في الصورة:
 
غير حساس لحالة الأحرف