في البرازيل

اذكر أن صديقي زارني في داري الذي يجاور دارهم المهجور منذ سفرهم إلى البرازيل قبل أكثر من 30 عام فرحبت به كثيراً ، لم اعرفه وقت أن طرق الباب فملامح الطفولة قد غابت عن وجهه، سألني عن نفسي، فأجبته أنا من تبحث عنه ، فمن أنت ؟ أنا من كنت تلهو معه مذ كنا صغاراً، ألا تذكر جاركم القديم، رحبت به بحرارة شديدة، وأدخلته إلى باحة الدار التي لطالما لعبنا بها، دخلنا غرفة الضيوف, جلس على الأريكة القريبة من باب الغرفة, كانت أمامي منضدة وضعت عليها مطفئة سجائر وبعض الصحف كجريدة الجمهورية التي تعد من الصحف الرائدة آنذاك فالصحافة واحدة من المهن القديمة التي دأب كتابها أو العاملين فيها على نقل الخبر والمعلومة إلى اكبر عدد من الإفراد في المجتمع للتنوير والإرشاد والتوعية فكانت سلاح ضد الجهل ويد بيضاء للعلم والمعرفة ولم تكن في يوم أداة لخلق النزاعات وأثارت الأحقاد إلا بعض الصحف التي أخذت من الإشاعة دربا تسلكه وهي بذلك خرجت عن المبادئ التي تقام عليها مهنة الصحافة والتي من أهمها المصداقية ,في الوقت الحاضر نسمع عن حرية الصحافة، هذا المفهوم الذي ولد مع بزوغ عصر الحرية.
فقراءة صحيفة الجمهورية أو الثورة لسان حال الحزب الحاكم حينذاك، يجعلك تشعر بالحاجة إلى الاستحمام لمقدار ما تحويه من نتانة حيث استفحل الاستهتار بالعقل العراقي عندما تقدم له أكاذيب ويجبر على تصديقها والعمل بها، فرفع شعارات النصر على الأعداء في كل منازلة تجعل غير المطلع على وضع البلد يحس بنشوة الفرح .عندها ابتسمت في صمت كبير ,جاء صديقي حاملاً بيديه العصير، وضعاً إياه فوق المنضدة, وقبل أن يضع العصير سحبت الصحف التي كانت تعتلي المنضدة، ماذا تفعل ياصديقي أنها صورة (صدام)، وقف صديقي في حيرة وخوف مجهول مني وترآئى له وكأني بعثي حتى النخاع، رفعت العصير عن الطاولة التي كانت مسجاةٌ أمامي ، أشبه بتابوتٍ وضع فيه جثمان إنسان، سكت والأسئلة لم تغادر بالي، فقد يكون صديقي في حزب البعث ويعمل في البرازيل, لكن لماذا جاء لي ؟ حاولت أن أقتل الأسئلة بدفق الأجوبة. ياصديقي لما هذه الغيبة الطويلة عن ارض الوطن ؟
- قصتي طويلة تبدأ منذ سفرنا إلى البرازيل قبل أكثر من30 عام حيث قرر أبي أن يعمل هناك في أحدى شركات التبغ, كانت حياتنا هادئة أكملت دراستي في مدارس مدينة ستلايت ثم سافرت إلى العاصمة برازيليا لإكمال دراسة إدارة الأعمال في الجامعة البرازيلية كان لي صديق عراقي يدرس معي في الجامعة اسمه صلاح كان يمدني بأخبار الوطن إذ يعمل أبوه في السفارة العراقية في البرازيل ، وله مسيرة طويلة في حزب البعث تخرجت من الجامعة وسافر أهلي إلى دولة الأمارات العربية المتحدة وبقيت أنا بمفردي اعمل في شركة ميسن للألبسة الجاهزة, التي يديرها صديق قديم لوالدي الذي توسط لي للعمل فيها, ينتهي عملي في الساعة الثانية من بعد الظهر أغادره إلى شقتي القريبة من مكان عملي, في نهاية الأسبوع اذهب إلى صديقي صلاح الذي عمل موظف في السفارة العراقية في البرازيل كنت مبهور ببلدي العراق بعد انتصاره في حرب ألثمان سنوات على إيران وعودة الكويت إلى العراق وتأثرت بالحصار المفروض على بلدي الحبيب ،كنت أقراء عن إخبار العراق من الصحف التي أخذها من صلاح فكان يجمعها لي عند نهاية كل أسبوع، بعد انتهاء الدوام نذهب في نزهة نتناول طعام الغداء وعند الليل يكون نادي سأبين ملاذنا الأخير نقضي الثلث الأخير من الليل في احتساء المشروب والحديث عن الأصدقاء وعند الصباح يذهب صلاح إلى عمله وأعود إلى مدينتي ستلايت البعيدة عن العاصمة، كان هذا البرنامج يتكرر كل أسبوع، وذات يوم ذهبت إلى صلاح وكالعادة انتظرته حتى انتهاء الدوام وغادرنا السفارة حاملا الصحف بيديّ المرتجفتين من شدة البرد ، التحفت السماء بغمامة سوداء أعقبها دفق غزير لزخات مطرية قاسية جداً، رفع صلاح معطفه ووضعه على رأسه ليقيه من المطر ووضعت على راسي الصحف , كانت صورة (صدام) وهو يرتدي ألبدله البيضاء جالسا على كرسي تزين الصفحة الأولى من الصحيفة التي ابتلت بالمطر المتساقط عليها تناولنا طعام الغداء ثم ذهبنا إلى نادي سابين حاولت تنظيف ملابسي بالصحف التي في يدي فسقطت احدها على الأرض واتسخت بركام الغبار المبتل بقطرات المطر لتحول الصحيفة والصورة الى كتلة من الطين، لتستبدل لونها الأبيض وأناقتها بسواد الطين في هذه الإثناء نظرت إلى صلاح الذي تغيرت ملامح وجهه،
- ماذا فعلت بقائد العراق؟
-لماذا سعيت الى أهانته بهذه الشاكلة ؟
- هل أنت مجنون؟
حاولت أن أفسر له الأمر, بعدم قصدي الإساءة, لم يقبل صلاح اعتذاري وتبريري, لذا رفض وغادر المكان على عجالة , دخلت النادي وقضيت معظم أوقات الليل فيه، لم يكن لي مكان غيره. عند الصباح ذهبت إلى مدينتي التي لم تكن ببعيدة ، بعد مرور أسبوع ذهبت إلى صلاح لم أجده في مكتبه الذي يعمل فيه، ووجدت مكانه امرأة حسناء تحمل الشرق في كف والغرب في الكف الأخر سألتها على استحياء عن صلاح قالت انه ذهب في مهمة إلى العراق . سألتني عن اسمي, فأجبتها بأني صديق لصلاح طلبتْ مني الانتظار قليلا ، بعد دقائق دخل رجل ضخم البنية حسن الوجه طيب الريح وطلب مني أن اصحبه الى مكان ما، سرنا حيث باب غرفه تقع إلى الداخل، طرق الباب، ثم دخلنا في الغرفة من دون أستاذان، كان يجلس فيها رجل يناهز الخمسين من العمر قصير إلقامه ابيض الوجه خفيف الشعر, نهض بجسده المثقل من وراء المكتب الفخم الذي كان يجلس وراءه، ورحب بي مصافحا بحرارة تنم عن إعجاب شديد، طلب مني الجلوس, جلس بقربي حدثني عن العراق والمؤامرات التي تحاك ضده وطلب مني أن أقدم خدمه للوطن الحبيب باستصحابي مجموعه من الصحفيين البرازيليين إلى العراق وان أكون الدليل الواعي لهم في العراق مبيناً عمق حضارة هذا البلد ومدى تأثير الحصار الجائر عليه, عندها استوقفته مبيناً جهلي بالأماكن الأثرية لأني غادرت البلد مذ كنت صغيراً, فأجابني أن أجادتي اللغة البرازيلية هو أهم شيء مبينا أنهم سوف يقوموا بكافة الترتيبات لسفري، قبلت المهمة على مضض, في اليوم التالي كانت السيارة الخاصة بالسفارة تنتظرني لتقلني إلى المطار وفي صالة الانتظار جلست انتظر ومعي اثنان من موظفي السفارة ، ركبنا الطائرة بهدوء جلست على المقعد والى جانبي موظفي السفارة لم يتكلم معي أي منهما ، وأنا في الطائرة دحرجت عيني صوب المقاعد الصامتة باحثاً عن وفد الصحفيين الذي سأرفقه، لكني لم أجد أياً منهم ، استمرت الرحلة أكثر من عشر ساعات بعدها خرج صوت من الطائرة يرحب بالمسافرين لوصولهم بسلام إلى ارض الوطن توقف محرك الطائرة عن الدوران نزلنا بخطى وئيدة فوق السلالم المؤدية صوب ارض المطار الذي لم تطأه قدماي منذ أكثر من ثلاث عقود، كان إحساس غريب وانأ أعود إلى بلدي المضرج بالدماء الذي طالما حلمت بسمائه الزرقاء وماءه العذب وناسه الطيبون وبطولات رجاله الأفذاذ، أقلتنا سيارة خاصة إلى داخل المطار جلست وحدي في غرفة مكيفة، طرق الباب رجل حاملا معه قدح ماء وفنجان قهوة وضعه أمامي , تلاه ثلاثة رجال يرتدون بدلات زرقاء واربطه حمراء، تكلم أحدهم ذو شارب ضخم ، طالباً مني أن أرفقهم خارج المطار كانت سيارة بيضاء نوع (لاندكروز) تقف بانتظارنا جلست في المقعد الخلفي والى جانبي جلس رجلان والثالث جلس في المقعد الأمامي سارت السيارة بنا وأنا انظر من خلال النافذة إلى معالم بلدي الذي أحببته بعمق، بعد مسافة طويلة وصلنا إلى مكان محصن يحتوي على بناية كبيرة أشبه ما تكون بفندق، ترجلنا من السيارة بهدوء اتجاه البناية، عند الباب كان باستقبالنا اثنين من الرجال الذين يرتدون البزة العسكرية انتابني الخوف من ذلك، صعدنا سلم إلى الطابق الأول وصولاً للثاني، ومنه إلى ممر ضيق مصبوغ بلون رصاصي يحتوي على عدد كبير من الأبواب الموصدة لم اسمع في الممر الذي سرنا فيه غير وقع أقدامنا الستة وسط الممر الطويل، توقفنا, فتح الباب احد الرجلين الذين كانا برفقتي في داخل الغرفة التي طلية بلون رصاصي ، كرسي ابيض يتوسطها، جلست عليه وبدأت صور غريبة تدور في ذهني، لم اعتد عليها ،حديقة بيتنا القديم في شارع الزيتون، طريق المدرسة , صديقة الطفولة ,جارتنا القديمة أم ناظم وهي تقطف الخبز من التنور، شجرة التوت التي تدلت أغصانها فوق الساقية، أم ناظم بدشداشتها الملونة وهي تعانق والدتي قبيل سفرنا, بكائي وانأ أرى أمي تبكي ونحن نصعد الطائرة, كنت معزول في صف المدرسة الأول في المدينة الصغيرة ببل الواقعة عند إطراف مدينة( ريودي جانيرو) وغيرها من الصور التي تملأ أم رأسي، بينما كانت هذه الصور تعانق مخيلتي فتح الباب، اطل رجل بنظرة غريبة ثم اخرج رأسه الكبير من الغرفة وأغلق الباب ، مضت ساعة على دخولي الغرفة، كنت في حيرة مما يجري ، وانأ غارق في بحرٍ من الذكريات، دخل رجل حسن المنظر يلبس بدلة سوداء وقميص ازرق يملأ عطره أرجاء الغرفة ، سألني عن اسمي وعملي وكيف سافرنا إلى البرازيل ومن سهل لنا المهمة وأسئلة كثيرة، اجبتة بهدوء، إذن كنت صغيراً عندما غادرنا العراق مهاجرين كان ينتابني البرد الشديد , إذن حدثني عن (إليزابيث) و(ناتليا )؟ماهي العلاقة التي تربطكم ؟ لم اجبه فكانت عيناي تنظر إلى الرجل بحيرة، كيف وصلت هذه الأسماء إليه، شفتي كانت تنطق بتلكؤ، إليزابيث صديقة قديمة، وهي تعمل في معمل للخياطة قريب من شقتي ,حدثني عن ما كان يدور بينكم من أحاديث وأنت تقضي الليل معها, يا سيدي أنها مجرد صديقه ,وناتليا هل كانت مجرد صديقة ,نعم تعمل صحفية في احد القنوات الفضائية في البرازيل ,وهل كان صداقتك تبرر تسريب معلومات حول تطوير العراق لصواريخ أسكوت ليصل مدها إلى أكثر من 1500 كيلومتر, ياسيدي هذه المعلومات كنت احصل عليها من صحف العراق التي كان يزودني بها صديقي الذي كنت أزوره كل أسبوع في السفارة , صديقك هذا الذي كنت تذهب معه إلى النادي الليلي وتستدرجه إلى الإجابة على معلومات كانت تطلب منك ,هل هناك تهمه توجهها لي؟! نعم تهمتك هي التخابر مع دولة أجنبية, يعني ماذا ياسيدي؟ انك جاسوس ارتفعت درجة حرارتي وبدا العرق يخرج من جسدي النحيل وأصابعي المتمسكة بالكرسي ترتعش, فكل ما كان يدور بينك وبين إليزابيث كان يصلنا لأنها كانت تعمل معنا فلا داعي للإنكار, كنت بحاجة الى التبول طلبت ذلك من المحقق, وافق على فوره، فجاءتني صفعه شديدة أجلستني مرة أخرى على الكرسي التفت بخوف إلى الوراء, وجدت رجل ضخم اسود يتطاير الشر من عينيه السوداويين . استمر التحقيق إلى أن حكم علي بالإعدام , وبقيت انتظر الموت داخل زنزانة السجن المظلم, بعد مدة ثلاث أشهر جاء احد الحراس ليزف نبأ تعديل الحكم إلى السجن المؤبد, في السجن كنت أذا حكيت قصتي أجد من السب والشتم وحتى الضرب الكثير فلم اعد أتكلم عن تهمتي وبعد مرور أكثر من سبع سنوات في الزنزانة جاء الإفراج في العام 2002 لأخرج ولا أجد غير بيتنا القديم الذي كنت أتذكر مكانه فطرقت الباب عليك ياصديقي ناظم ووجدت الصحيفة التي كانت السبب وراء كل ما جرى لي فكيف تتسخ صورة الرئيس.
مؤيد السعدي