ذكرياتي المؤلمة مع حزب البعث الكافر .. ترويها بنت الشهيد .

تاريخ تاريخ النشر 30/08/2009
تبدأ هذه الذكريات المؤلمة والتي احاول جاهدة ان اتناساها , تبدأ عندما كنت في مقتبل العمر حيث كان عمري حينها يقارب 11 ربيعا , حيث تربيت في عائلة ملتزمة يبلغ عدد افرادها 11 فردا ,6 بنات و5 اولاد مع والدتي ووالدي , والدي ذلك الاب الحنون المكافح الذي استطاع ان يدير هذه العائلة الكبيرة والذي اصر ان يحصل كل فرد من افرادها على شهادة جامعية سواء كان ذكرا ام انثى لافرق المهم اكمال الدراسة والتفوق.كان يعمل حينها في فندق شط العرب في البصرة .
كان تسلسلي بين اخوتي هو الرقم 11 اي الابنة الصغرى وكنت مدللة الى ابعد حدود الدلال كوني الصغرى .
كنا حينها نسكن في منطقة الابلة بالبصرة وكان الجيران يسموننا "بيت المثقفين " مثال للعائلة المتكاتفة , كانت الضحكات تملأ ارجاء البيت في كل الاوقات وخاصة ايام رمضان كانت لها ذكريات خاصة حيث الفطور المميز واللمة الحلوة والمحيبس ووووووووووووووووو.
واذا بشبح الحزن يخيم فجأة حيث جاء احد اخواني والذي يحمل التسلسل 4 بين اخوتي الـ 11 (زكي) وهو يعمل في حقل بازركان النفطي في العمارة , جاء الى والدي واخبره انه مطارد من قبل ازلام صدام وان جميع اصدقاؤه قد تم اعتقالهم , وانه سوف يعتقل في اي لحظة .
قال هذه الكلمات ورجع الى مكان عمله في محافظة العمارة , ظلت كل العائلة في توتر وقلق دائم ,وبعد حوالي اسبوع واذا بالباب يطرق , كان الطارق احد اصدقائه حيث جاء ليبلغنا ان اخي قد تم اعتقاله بتهمة مساعدة عوائل المعدومين الذي اعدمهم صدام اللعين .
خيم الحزن على البيت كله وتحولت الضحكات الى اهات وانين ودموع ولاسيما الوالدة التي لاتهدأ والوالد الذي يكتم حزنه ويحاول جاهدا ان يظهر للجميع بانه متماسك ولكن دون جدوى فعلامات الحزن بادية في تقاسيم وجهه .
اعتقل اخي وتقطعت بنا كل السبل لمعرفة اخباره , وذات يوم وبعد مرور حوالي الشهرين جاء لنا شخص وكان يبدو عليه الخوف الشديد وسال عن والدي ولما قابله الوالد مسك يده ووضع فيها قصاصة صغيرة من الورق وذهب مسرعا , كانت تلك القصاصة عبارة عن رسالة قصيرة من اخي المعتقل كتب فيها بانه سعيد جدا وانه يوصينا بالصبر وطلب من ابي ان يكون كنبي الله يعقوب عليه السلام بصبره واحتسابه وطلب من والدتي ان تكون كزينب عليها السلام بقوة تحملها للمصائب , وكذلك حث اخوتي على الصبر .
كانت هذه الكلمات تنبأ عن شيئا ما , ماهو .. لااحد يعلم .
وبعد حوالي الست شهور من اعتقاله جاء لنا احد رجال امن صدام واخبروا ابي بان ياتي لمواجهة اخي المعتقل .
فرحنا كثيرا وحمدنا الله وقلنا ان الامور في طريقها للانفراج وتهيأنا في يوم المواجهة للذهاب وكلنا يريد الذهاب , واخذت ابكي حينها لانهم لم ياخذوني معهم وقالوا لي ان عددنا كبير واكيد هناك مواجهات اخرى.
حين وصولهم هناك جاءوا باخي من وراء القضبان واذا به هزيلا اصفر الوجه من شدة التعذيب ولكنه من جانب اخر قمة في التماسك يحاول جاهدا ان يُفهم كل من راه بانه بخير واخبرهم بانه سعيد الى ابعد حدود السعادة وكانت الضحكة لاتفارق وجهه ابدا , لم يخبرهم بشي اخر سوى بانه بحالة جيدة وسال عن احوالهم فردا فردا وانتهت المواجهة.
وبعد حوالي الاسبوعين طرق الباب احد رجال الامن , فرحنا كثيرا وقلنا ان شاء الله هذا موعد جديد للمواجهة .
طلب والدي وقال له بعض الكلمات ورحل , دخل ابي وعلامات الذهول واضحة على وجهه ولكنه لم يتحدث باي شي , وبعد كثرة الحاحنا عليه قال بانهم طلبوا منه الحضور الى بغداد .
لقد كتم والدي الحقيقية ولم يقلها لنا , الحقيقة كانت ان رجل الامن طلب من والدي الحضور الى الطب العدلي في بغداد لاستلام جثة اخي .
في الموعد المحدد ذهب والدي مع احد اخوتي وكان يعمل حينها رائد في الشرطة وكان يملك جرأة فقد راى منظر الجثث سابقا بحكم عمله , ذهبا الى الطب العدلي في بغداد واستلما الجثة وكان باديا عليها اثار التعذيب ولكن ابتسامة الشهيد كانت لاتفارق الشفتين الذابلتين ودفناه ليلا وقد طلب منهما ضابط الامن بعدم اقامة عزاء له والا ستكون العاقبة وخيمة على العائلة .
رجع ابي واخي الى البصرة بعد دفنهما الجسد الطاهر وكل شي فيهما يدل على حدوث مصيبة كبيرة رغم محاولتهما الى اخفاء الحقيقة عنا , ابي الذي حولته الصدمة الى هيكل انسان لايتكلم ولا بكلمة مع اي احد , معتزلا الجميع في غرفته ولايسمح لاحد بالدخول عليه , واخي الذي نظن بانه اكثرنا جرأة وصلابه منهار تماما وقد رجع الى بيته حيث كان متزوج حينها .
والدتي التي لم يخبروها بالامر كانت تحس كقلب اي ام بان ابنها قد اصابه مكروه فكانت تنوح الليل والنهار .
استمر هذا الحال والعائلة جميعها تَئن والوالد مازال على حالته , ندخل صينية الاكل الى غرفته ونخرجها كما هي ,ولااحد يستطيع الدخول والتكلم معه الا احد اخواتي وهي رقم 2 بين اخواتي الـ 6 " سميرة "وكانت متزوجة من رجل غاية في التدين وسأذكر قصة استشهادها وزوجها في حينه ان شاء الله ,كانت الوحيدة التي يسمح لها والدي ولزوجها بالدخول الى غرفته والتحدث اليه وقد علمت منه بشكل او باخر ان اخي قد استشهد.
وعند اقتراب يوم اربعينية اخي الشهيد اخبرنا والدي بان نستعد جميعا للذهاب الى زيارة ابي عبد الله الحسين(ع) ,وقد استأجر لنا سيارة كبيرة , وبعد وصولنا الى هناك اجرينا مراسيم الزيارة وبدلا من ان نرجع الى بيتنا في البصرة اذا بالسيارة تتجه بنا الى المقبرة في النجف الاشرف , بدا البكاء والصراخ يعلو حيث ادركنا جميعا ان اخي استشهد ولا امل برجوعه مجددا .
من هذه النقطة بدأت مأساة العائلة الحقيقية , فقد تأثرت العائلة كثيرا خاصة اخوتي الاصغر سناً الذين يشبهون الشهيد زكي في افعالهم واخلاقهم العالية , وكان اخواي هما الصغير من بين الذكور وعمره 17 سنة ( فخري) والاكبر منه سنا وعمره 19 سنة(بشير) قد تم القبض عليهما في حياة اخي الشهيد اثناء رحلتهما الى النجف وكربلاء مع مجموعة من اصدقائهما لغرض الزيارة ومقابلة السيد الشهيد الاول محمد باقر الصدر (قده) وبقيا في المعتقل حوالي الشهرين حيث ذاقا خلالها مختلف الوان التعذيب وتم الافراج عنهما , وكثيرا ماكانا يرويان لنا مرارة الايام التي عاشاها في المعتقل وكيف كان المجرمين اعوان صدام المقبور يذيقانهما مختلف الوان العذاب ويتفننون في ايذائهما ولم يتركوا شي الا وجربوه عليهما من لسع بالكهرياء الى تعليقهما لايام الى اطفاء السيجارة باجسادهما الى الى الى .... ولكنهم في نفس الوقت كانوا يقولون كنا في غاية السعادة وكانت الاجواء روحانية الى ابعد الحدود وكنا نحس اننا اشد قربا لله .
كنا نحس عند سماعنا لحديثهم بانهم ليسوا مثلنا ابداً فهناك اشياء يملكونها لانملكها نحن , فليس لهم اي تمسك بالحياة ابدا وكثيرا ماكنا نتعجب عندما نراهم يحنون لتلك الايام .
هؤلاء هم تربية الحسين (ع) فقد نهلوا من علمه واخلاقه وتخرجوا من مدرسة التضحية والفداء بعدما حازوا على اعلى العلامات .
وفي يوم من الايام جاء اخي الصغير (فخري) ومعه كاسيت اعطاه لامي وهو لطمية " يمه ذكريني من تمر زفة شباب" , وكأنه يريد إخبارها بان تذكره عند سماعها لهذه اللطمية ومن جهة ثانية ان تتأسى بام القاسم (ع) حينما استشهد ولدها الصغير بواقعة الطف بين يدي عمه ابي عبد الله الحسين (ع) .
وماهي الا ايام قليلة حتى دق الباب احد اصدقاء اخي (بشير ) ليخبرنا ان اخي قد تم اعتقاله من قبل رجال الامن وروى لنا الحادثة : يقول كنا جالسين في المكتبة ندرس وذلك تحضيرا لامتحانات البكالوريا واذا برجلين يتجهان نحونا وقالوا لبشير نريدك معنا خمس دقائق فقط .
ولم يرجع بشير الى يومنا هذا ولاندري ماحدث له , وبعد سقوط نظام صدام المجرم وجد اسمه في المقابر الجماعية.
بعد حوالي ستة اشهر من اعتقال بشير وبالضبط في يوم الاحد 5/10/1980 حدثت كارثة بالنسبة لهذه العائلة هزتها من الاعماق , جاءت الينا اثنين من اخواتي المتزوجات ضيوف عندنا وهن رقم 3 (ام حيدر)و 4 (ام اكرم) من بين اخواتي الستة مع اطفالهن حوالي العاشرة صباحا واستغربنا باننا لم نشاهد معهن اختي رقم 5 (ليلى) والتي تكبرني باربع سنوات وكانت قبل ليلة قد ذهبت الى بيت اختي المتزوجة (ام اكرم) لتبيت عندها , فتفاجئنا جميعنا وبهتنا لان اختي المتزوجة عندنا ضيفة وليلى ليست معها ولما سألناها قالت بان ليلى زارتها بالامس صباحا وعند العصر اخبرتها بانها ذاهبة الى الخياطة مع صديقاتها لاخذ ملابسها ثم تعود لبيت اهلي , وظنت اختي انها عندنا بينما ظننا نحن بانها ستبيت عند اختي وهكذا اختفت ليلى .
وبينما نحن هكذا من الدهشة والحيرة تم تكليفي من قبل والدتي بالذهاب الى بيت صديقتها للسؤال عنها وكان بيتهم بعيدا نوعا ما عن بيتنا فذهبت مسرعة وماان وصلت حتى وجدت ام جواد (ام صديقة اختي ) تلطم وجهها وتبكي ولما سألتها قالت بان ابنتيها الاثنتين خرجن من البارحة عصرا ولم يعودا وقد ذهب والدهما الى المستشفيات للسؤال عنهما .
رجعت مهرولة للبيت مرعوبة واحسست ان شيئا عظيما قد حدث , وبعد وصولي اخبرتهم فقام اخي (فخري) وقال ساذهب لاسئل عنها في المستشفى , وذهب اخي .
في هذه الاثناء ونحن حيارى وفي الساعة حوالي 12 ظهرا تم اقتحام البيت من قبل 15 شخص من الجيش الشعبي والامن مدججين بالاسلحة حيث لم يطرقوا الباب بل رفسه احدهم برجله وفتحه , وقد تروعنا واندهشنا من هذا الموقف حيث اننا بدون حجاب , وقد ركضت مسرعة وكان عمري حينها حوالي 11 سنة وكنت قد تحجبت لتوٌي , ركضت لاجلب الحجاب وكان على احدى الكنبات فسحبه احدهم مني بالقوة ورماه أرضاً .
فزعت واختبأت خلف امي , واذا باحدهم يصيح اين (ليلى) ونحن مبهوتين لانعرف جوابا فقالت امي لاندري , وفي هذه اللحظة جمعونا رجال الامن جميعنا وكنا انا واخواتي الاثنتان وامي وابي وابن اخي (باسم) الذي تربى معنا وكان عمره حينها 7 سنوات وفي نفس الوقت كان في حديقة بيتنا باب داخلي يطل على بيت اخي الكبير المتزوج حديثا فرفس الباب احد رجال الامن وفتحه وذهب ومعه خمسة رجال واقتادوا اخي وزوجته الحامل وكانت في الشهر السابع من الحمل حينها .
جمعونا جميها وكان عددنا 7 اشخاص مع 3 اطفال وهما ابن اخي باسم وطفلين لاحدى اخواتي (اكرم عمره 3 سنوان و امير 6 شهور) .
قادونا الى سيارة كبيرة (منشأة) كانت واقفة في راس الشارع , قمة في الوحشية وهم يصيحون بنا بسرعة بسرعة والجيران ينظرون لنا بعيون تملؤها الدموع والخوف في نفس الوقت .
صعدنا الى السيارة تاركين بيتنا خلفنا مشرع الابواب وقد بقي فيه اثنان من الامن , وكان قصدهم من البقاء لعمل كمين للامساك بكل من ياتي للبيت .
صعدنا الى السيارة وراينا فيها عائلة صديقة اختي (عائلة ابو حيدر ) وقد جلبوهم لنفس السبب بعد اعتقال ابنتاهما ( هناء وهيفاء ) مع اختي ليلى , وهم عائلة متكونة من الام والاب وابنهم (باقر)عمره 14 سنة تقريبا و عباس عمره 3 سنوات وكانوا قد اعتقلوا من قبل 2 من اولادهما (حيدر واخيه وهما على مااذكر في كلية الطب حسب ماروته لنا الام ) .
وسارت السيارة بنا الى بيت صديقة اختي الثانية (بيت ام جواد) بعد اعتقال ابنتاهما (نجاة و سهام) وفعلوا بهم مثلما فعلوا بنا واقتادوا كل من كان في البيت واصعدوهم الى السيارة .
مشوا بنا نحن العوائل الثلاث الى مديرية امن البصرة , وماادراك مامديرية امن البصرة ؟
بناية يخيل للداخل اليها عبارة عن كراج واستعلامات فقط ولكن ماخفي كان اعظم .
في الحقيقة ان امن صدام استولى على كل البيوت التي تحيط بمديرية الامن وتم إلحاقها بالمديرية , حتى ان اي سيارة تمر بهذه المنطقة يتم توقيفها على بعد مسافة كبيرة ومنعها من دخول هذه المنطقة .
ادخلونا وكان ذلك حوالي الواحدة ظهرا , جلسنا في الاستعلامات واحصوا عددنا واسماؤنا وبعدها اخذوا الشباب من بيننا وكانوا اخي الكبير خيري (من عائلتنا) بعد ان فتشوه وجردوه من كل مايملك (ساعته وحلقة الزواج ومبلغ من المال ومستمسكاته الشخصية ) وكتفوه الى الوراء واعصبوا عينيه ونحن ننظر اليه ودموعنا جارية بصمت وقلبنا يعتصر خوفا من ان تكون هذه المرة الاخيرة التي نراه فيها ,واخذوا باقر (من عائلة ابو حيدر) , وبقينا نحن النساء والاطفال ووالدي .
بقينا جالسين الى حوالي الساعة الثامنة مساءا ,مرعوبين لانعلم ماذا سيحل بنا , الاطفال بدأوا بالصراخ من شدة الجوع , وابن اختي الصغير (أمير 6 شهور) يحتاج الى غيارات ,والحوامل(اختي (حامل لشهرين )وزوجة اخي(حامل لسبع شهور )) بدأن يتأوهن من طول الانتظار والجلوس حيث لايسمح لاحد بالحركة .
بعد حوالي الساعة الثامنة ليلا ارجعوا الينا اخي الكبير وهو مصدوم لاينطق بكلمة ثم اخذونا الى الكراج الملحق بالاستعلامات ومن خلف احدى السيارات الواقفة هناك فتحوا بابا اخر بلون الجدار حتى يخيل للناظر بان الجدار نفسه قد انشق لتطل علينا مدينة باكملها , بنايات كثيرة متقاربة من بعضها ادخلونا في احداها واصعدونا للطابق العلوي فرأينا على طول السلم شباب مكبّلين الى سياج السلم بايديهم من الخلف ومشدودة اعينهم واخرين مربوطة ايديهم للوراء ومشدودة اعينهم وملقون على الارض ومن هيئتهم تَستشف انهم مغمى عليهم من شدة التعذيب , ونحن ننظر اليهم مذعورين والامن يصيحون بنا اصعدوا بسرعة بسرعة ...
ادخلونا في غرفة كبيرة نوعا ما نحن العوائل الثلاثة وبعد ان استقرينا في الغرفة بدأ الجميع بالبكاء .كل واحد منا غير مصدق مايحدث امامه , الاطفال يتضورون جوعا ومنهم من يريد الذهاب للحمام وماهي الا لحظة حتى جاء احد الجلاوزة وصاح ماهذه الاصوات ؟ فاجابه والدي ان الاطفال جياع . فقال له وبصوت عالي " ومنين اجيب الهم اكل هسه, خليهم ينامون" فرد عليه والدي "على الاقل سمحولهم يرحون للحمام " .
فذهب واخبر مسؤوله ولما رجع اخبرنا بان يخرج واحد واحد للحمام ولكن 5 دقائق فقط لكل واحد . واذا بالحمام عبارة عن مكان نتن مظلم , ياتي رجل الامن هذا ويشعل عودا من الثقاب ليريك المكان ثم تحتار انت بنفسك .
قضينا تلك الليلة وكأنها سنة كاملة , ساعاتها عبارة عن شهور ودقائقها ساعات, نام الجميع على الارض وكل منا وضع نعاله تحت رأسه , وما ان اصبحت الساعة حوالي الثانية ليلا حتى سمعنا صراخ المساجين من كل ناحية وهم يسومونهم سوء العذاب واذا بنا نسمع صوت نساء يعذبن ويصرخن وواحدة تصرخ " يمه لحكيلي " فاذا بامي تصيح انه صوت ليلى ..نعم اعرفه صوتها واجهشت بالبكاء وبكى الجميع وتقرحت الاجفان من عظم المصيبة , وعندما انظر الى وجه ابي اراه حائراً لايدري ماذا يفعل وفلذة كبده التي لم تتجاوز الخمسة عشر ربيعا بين وحوشا ضارية تنهشها وهو لايملك لها نفعا ولاضرا , تذكرت حينها موقف الامام الحسين (ع) في واقعة الطف عندما سمع صراخ النسوة والاطفال بعدما اضرمت النار في خيام النساء ,وتأكدت عندي المقولة " كل يوم عاشوراء و كل ارض كربلاء " , وقبل الفجر بساعة هدأت الاصوات بعد ان ذابت قلوبنا وكان المجرمون قد تعمدوا الى اسماعنا اصواتهن . واذا باخي يطلب منا ان نتفحص جيوبنا نحن النسوة فعادة ماكنا نحمل ادعية , فاذا بامي تحمل رسالة اخي الشهيد زكي الذي بعثها لنا قبل استشهاده كما اسلفت , فاضطربنا جميعا فهذه وحدها كفيلة لتعريضنا للسوء , فقمنا بتقطيعها قطعا صغيرة ووزعت علينا لكي نبلعها فلا يبقى منها اثر , وهكذا فعلنا . اطل علينا الصباح , واتحدى اي واحد غمضت له جفنا تلك الليلة .